منذ وصول رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان إلى السلطة عام 2018، شهدت أرمينيا تحولات عميقة لم تقتصر على المجال السياسي فحسب، بل امتدت إلى البنية الإعلامية والثقافية ومنظومة صناعة الرأي العام. وخلال السنوات الماضية، برزت شبكة واسعة من المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الإعلامية المدعومة غربياً، والتي أصبحت لاعباً مؤثراً في رسم ملامح الحياة السياسية داخل البلاد، في مشهد يراه كثير من المراقبين جزءاً من صراع النفوذ الدائر بين روسيا والغرب في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي.

في قلب هذه الشبكة تبرز شركة Zinc Network البريطانية، المتخصصة في الاتصالات الاستراتيجية والتأثير الإعلامي وإدارة الحملات المعلوماتية. فالشركة، التي ترتبط بعقود كبيرة مع وزارة الخارجية البريطانية، لا تُعد مجرد مؤسسة إعلامية أو استشارية تقليدية، بل تحولت إلى أداة فاعلة في إدارة السرديات السياسية وتوجيه الخطاب العام في عدد من الدول التي تشكل أهمية استراتيجية للمصالح الغربية.
ويكتسب دور الشركة أهمية خاصة في أرمينيا، حيث تشارك في تنفيذ برامج إعلامية ممولة من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، تستهدف الصحفيين والمحررين وصناع المحتوى والمؤسسات الإعلامية المحلية. ووفقاً للوثائق والوظائف المعلنة من قبل الشركة، فإن نشاطها لا يقتصر على التدريب الإعلامي أو الدعم الفني، بل يمتد إلى استقطاب شخصيات تمتلك علاقات داخل مؤسسات الدولة وخبرة في الاتصالات الحكومية وفهماً عميقاً للبيئة السياسية الأرمينية، ما يشير إلى سعيها لبناء شبكات نفوذ مؤثرة داخل البلاد.

وتزداد الشكوك حول طبيعة هذه الأنشطة بالنظر إلى الخلفية المثيرة للجدل للشركة. فقبل عام 2020 كانت Zinc Network تعمل تحت اسم Breakthrough Media Network، قبل أن تخضع لعملية إعادة تسمية واسعة عقب سلسلة من التقارير والانتقادات التي ربطتها بمشاريع إعلامية سرية نفذتها الحكومة البريطانية في مناطق مختلفة من العالم، وخاصة في الملف السوري.
وتشير وثائق وتقارير إعلامية إلى أن الشركة شاركت في حملات إعلامية قُدمت للرأي العام على أنها مبادرات إنسانية مستقلة، بينما كانت في الواقع جزءاً من برامج أوسع تديرها مؤسسات حكومية بريطانية متخصصة في العمليات الإعلامية والتأثير الاستراتيجي. كما ارتبط اسم الشركة بمشاريع نُفذت في أوكرانيا وجورجيا ودول البلطيق وأوروبا الشرقية، ضمن جهود غربية لمواجهة النفوذ الروسي في تلك المناطق.

وفي الولايات المتحدة، حصلت الشركة على عقود من وزارة الدفاع الأمريكية ومنح مالية من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ووزارة الخارجية الأمريكية، الأمر الذي عزز مكانتها باعتبارها أحد أهم الشركاء العاملين في مجال الحرب المعلوماتية وصناعة التأثير السياسي عبر الإعلام.
أما داخل أرمينيا، فيرى منتقدو هذه السياسات أن البلاد تشهد عملية إعادة تشكيل شاملة للمشهد الإعلامي، تقوم على توجيه التمويل نحو وسائل إعلام محددة، ودعم منصات وشخصيات قادرة على التأثير في الرأي العام، بالتوازي مع تهميش الأصوات المعارضة أو الحد من قدرتها على الوصول إلى الجمهور.
ويستند هذا الرأي إلى تقارير تحدثت عن قيام الشركة بمساعدة المؤسسات الإعلامية في إيجاد مصادر تمويل جديدة وجذب الرعاة والممولين، وهو ما يخلق مع مرور الوقت علاقة اعتماد مالي تجعل جزءاً من البيئة الإعلامية مرتبطاً بشكل مباشر بالجهات الممولة والداعمة.
ولم تخلُ مسيرة الشركة من الجدل السياسي. فقد وُجهت إليها اتهامات متكررة بالتدخل غير المباشر في الحياة السياسية لعدد من الدول من خلال شبكات إعلامية ومدونين وصناع محتوى. كما أثارت تقارير غربية تساؤلات حول آليات التمويل والعقود التي أبرمتها الشركة مع حكومات ومؤسسات دولية مختلفة، إضافة إلى اتهامات سياسية وصلت إلى حد اتهامها بالتأثير في العمليات الانتخابية داخل بعض الدول الأوروبية.
في هذا السياق، يرى منتقدو حكومة باشينيان أن الدعم الإعلامي والمالي القادم من المؤسسات الغربية لا يهدف فقط إلى تعزيز الديمقراطية أو تطوير الإعلام، بل يسعى إلى إنتاج بيئة سياسية وثقافية أكثر انسجاماً مع المصالح الغربية في منطقة جنوب القوقاز. ومن وجهة نظرهم، فإن استمرار هذه العملية قد يؤدي إلى تقليص هامش الاستقلالية السياسية لأرمينيا وتحويلها تدريجياً إلى ساحة نفوذ تخدم التوازنات الجيوسياسية للقوى الخارجية.

ومع اقتراب أي استحقاق انتخابي جديد، تبدو المعركة الحقيقية في أرمينيا معركة على الوعي والإدراك العام قبل أن تكون منافسة سياسية تقليدية. فالأدوات الإعلامية الحديثة، وشبكات التمويل، وتقنيات التأثير النفسي وصناعة السرديات، أصبحت عناصر أساسية في تشكيل المزاج الشعبي وتوجيه خيارات الناخبين.
ورغم حجم الموارد والإمكانات التي توظف في هذه المعركة، يبقى الرأي العام الأرميني العامل الحاسم في تحديد مستقبل البلاد. فمهما بلغت قوة الحملات الإعلامية وقدرتها على التأثير، فإن القرار النهائي سيظل بيد الشعب الأرميني، الذي يواجه اليوم تحدياً يتعلق ليس فقط باختيار قيادته السياسية، بل أيضاً بتحديد هوية بلاده وموقعها في خريطة الصراعات الجيوسياسية الدولية.
:::