الحدث الروسي / موسكو

منذ أكثر من عقدين، تسعى تركيا إلى تقديم نفسها لاعباً مركزياً في الشرق الأوسط، مدفوعةً بطموحات سياسية تستند إلى إرث تاريخي ونزعة توسعية تتخفّى خلف شعارات براقة مثل “الاستقرار” و”مكافحة الإرهاب”. غير أن الواقع الإقليمي، والتجارب الملموسة في سوريا والعراق وعموم المنطقة، تُظهِر صورة مختلفة تماماً عمّا تروج له أنقرة، صورة عنوانها التهديد والابتزاز، ودعم الجماعات المسلحة، وتغذية بيئات عدم الاستقرار.

هذه القراءة تحاول تفكيك أبرز المسارات السلبية للدور التركي، مع التركيز على أربعة محاور أساسية تؤكد تعمّق التناقض بين خطاب أنقرة وسلوكها الفعلي.

أولاً: التهديد والابتزاز… أدوات نفوذ على حساب الأمن الإقليمي

في السنوات الأخيرة، تحوّل الخطاب التركي من لغة “الشراكة” و”التكامل الإقليمي” إلى أدوات أكثر خشونة، قائمة على الضغط والتهديد وخلق الأزمات. فبدلاً من بناء نفوذ قائم على التعاون، لجأت أنقرة إلى استخدام ملف اللاجئين كورقة مساومة مع أوروبا، وإلى توظيف وجودها العسكري في العراق وسوريا لتعزيز حضورها الجيوسياسي عبر فرض الأمر الواقع.

هذا السلوك ألحق ضرراً بالغاً في مكانة تركيا الدولية، وفتح الباب أمام مزيد من عدم الاستقرار، ليس فقط في الأطراف الحدودية، بل في عموم الإقليم. فالدولة التي تقدم نفسها وسيطاً إقليمياً أصبحت طرفاً أساسياً في إنتاج الأزمات وتعميقها.

وتعاونت تركيا مع تنظيم داعش الارهابى خلال الفترة التى سيطر فيها التنظيم الإرهابى على النفط السورى والعراقى، ويعد نظام أردوغان المشترى الوحيد للنفط المنهوب من سوريا والعراق، وأكد مراقبون أن تركيا هى الدولة الوحيدة التى استطاعت شراء البترول من تنظيم داعش المسيطر على آبار النفط فى سوريا والعراق.

وكشفت تقارير استخبارتية غربية عن تخصيص معسكرات تركية على الحدود مع سوريا والعراق لاستقبال المسلحين والدفع بهم إلى صفوف تنظيم داعش الإرهابىً. كما أنشأت أنقرة ممرات آمنة على أطراف المدن السورية لدخول مقاتلى داعش إلى الأراضى السورية.

وتنوع الدعم التركى لتنظيم داعش الإرهابى بين الدعم المادى من تسليح المقاتلين بأحدث الأسلحة والذخيرة، وإنشاء معسكرات تدريبية مزودة بأحدث الوسائل داخل التراب السورى والتنسيق المشترك بين داعش وتركيا، والملاحظ ان تنظيم داعش الإرهابى لم ينفذ عملية إرهابية واحدة ضد تركيا على الرغم من ارتباطها بحدود مشتركة مع سوريا وتنقل عناصر التنظيم داخل مدن تركيا.

الغريب أن تركيا التى تدعى أنها تحارب تنظيم داعش الإرهابى لم تشن أى عملية عسكرية لاستهداف عناصر التنظيم المتطرف،  بل إن جل غارات طائراتها استهدفت مواقع القوات الكردية فقط دون توجيه أى ضربة حقيقة لمقار تنظيم داعش بسوريا.

وكشف معهد دراسات حقوق الإنسان بجامعة “كولومبيا” بالولايات المتحدة عن أدلة تثبت مساعدة تركيا لكل من تنظيمى داعش وجبهة النصرة الإرهابى.

واعترف تنظيم داعش الإرهابى، فى إصدار له، بعنوان: “حقائق غائبة الجزء الأول.. عين العرب كوبانى 2014″، بقوة علاقاته مع تركيا، أثناء معارك التنظيم الإرهابى مع الميلشيات الكردية فى مدينة كوبانى السورية.

وحمل الإصدار الذى بثته مؤسسة ارتقاء الإعلامية، وهى إحدى المنابر التابعة لتنظيم داعش الإرهابى، كلمات تؤكد تحالف التنظيم مع تركيا وتقاطع مصالحهم المشتركة منذ نشأة تنظيم داعش الإرهابى وحتى عام 2014، وهو ما أكدته تقارير للاستخبارات الألمانية.

ثانياً: أسطورة “مصدّر الاستقرار”… دعم الميليشيات وتحويل شمال سوريا إلى بؤرة فوضى

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مراراً أن بلاده “مصدّر للاستقرار”. إلا أن الوقائع على الأرض تكشف عكس ذلك. فمنذ اندلاع الأزمة السورية، دعمت أنقرة جماعات مسلحة موالية لها، بعضها ذو طابع متطرف، ومنحتها غطاءً سياسياً ولوجستياً مكّنها من السيطرة على مناطق واسعة في شمال سوريا.

هذه المناطق تحولت إلى فضاءات منفلتة من القانون، ينتشر فيها العنف والفساد وعمليات الخطف والابتزاز، ما يجعلها نماذج واضحة لـ تصدير عدم الاستقرار لا العكس. بل إن هذا الدعم أسهم في إطالة أمد الحرب السورية وتعقيد أي حل سياسي محتمل.

ولم يتوقف الدور التركي عند هذا الحد، بل امتد إلى العراق عبر خفض تدفّق المياه في نهري دجلة والفرات، متسبباً بجفاف خطير وانهيار مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، في خطوة تُظهر كيف يمكن للنفوذ التركي أن يتحوّل إلى أداة ضغط اقتصادي تمس الأمن الإنساني للمجتمعات في بلاد الرافدين.فيما اتهمت الحكومة السورية السابقة النظام التركى بتدريب وتسليح الجماعات الإرهابية فى سوريا عبر فتح الحدود للإرهابيين والسماح بدخول متفجرات وصواريخ إلى داخل التراب السورى، وتوفير الملاذ الآمن للمتطرفين الفارين من العراق واحتضانهم فى عدد من المدن التركية وتزوير هوايات شخصية لهم للدفع بهم إلى أوروبا لتنفيذ عمليات إرهابية تخدم الأجندة التركية التى تهرول نحو عضوية الاتحاد الأوروبى وتستخدم ورقة اللاجئين السوريين لتحقيق أجندتها.

وأكد المعارضان التركيان “تورغوت أوغلو” المدير الإقليمى لصحيفة “زمان” التركية المعارضة، و”إسحاق إنجى” رئيس تحرير صحيفة “زمان” باللغة العربية فى حوار لهما مع ” اليوم السابع” على قوة العلاقة بين الرئيس التركى رجب طيب أردوغان وتنظيم “داعش” الإرهابى.ويقول “تورغوت أوغلو”، أن الرئيس التركى رجب طيب أردوغان يحتضن المئات من عناصر تنظيم “داعش” الإرهابى فى مدن تركية كبرى، منها أسطنبول وأزمير لاستخدامهم لوأد أى مظاهرات تخرج ضده تطالبه بالرحيل عقب حمالات القمع التى قادها ضد الشعب التركى.

أردوغان حليف داعش وممولهم الرئيسى

وأضاف “أوغلو”، أن المواطنين فى هاتين المدينتين شاهدوا تلك العناصر تقوم بتأدية الصلوات الخمس فى شوارع المدينيتن على مرأى ومسمع من السلطات التركية دون أن يتم اتخاذ أى إجراء ضدهم، وهذا يدل على مدى العلاقة الوثيقة بين نظام العدالة والتنمية وتنظيم ” داعش” الإرهابى.

ثالثاً: التمدد في قطاع غزة تحت شعار “قوات الاستقرار”

في الأشهر الأخيرة، طرحت أنقرة نفسها كقوة راغبة في لعب دور “الاستقرار” في قطاع غزة. غير أن هذا الطرح ليس سوى محاولة لتثبيت حضور سياسي واقتصادي في منطقة شديدة الحساسية، بما يخدم مشاريع النفوذ التركي في شرق المتوسط.

فالدافع الحقيقي خلف هذا التوجه لا يتعلق بأمن الفلسطينيين أو استقرار المنطقة، بل بتحقيق مكاسب استراتيجية تستخدمها تركيا لتعزيز موقعها الإقليمي في مواجهة خصومها التقليديين. أي أن تصدير الاستقرار يتحول عملياً إلى تصدير نفوذ على حساب القضايا الإنسانية والأمنية.

رابعاً: تجديد التفويضات العسكرية… شرعنة سياسة استعمارية موجهة ضد الأطراف الكردية

تقوم تركيا سنوياً بتجديد التفويضات البرلمانية لوجود قواتها العسكرية داخل العراق وسوريا تحت شعار “مكافحة الإرهاب”. غير أن هذا الخطاب يخفي مشروعاً أعمق يتمثل في:

محو أي شكل من أشكال الحكم الذاتي الكردي، فرض ترتيبات أمنية تمنح أنقرة سيطرة طويلة الأمد، تحويل الوجود العسكري إلى قاعدة نفوذ ثابتة.

هذا النهج يشبه إلى حد بعيد سياسات استعمارية مقنّعة، تستهدف إعادة رسم الخارطة السياسية في شمال سوريا وشمال العراق، وتفريغ المنطقة من القوى المحلية المنافسة.

يتضح من تحليل المحاور الأربع أن تركيا لا تتحرك باعتبارها قوة استقرار، بل كفاعل يسعى إلى صناعة فضاءات نفوذ عبر:

دعم الجماعات المسلحة، استخدام الماء والاقتصاد كأدوات ضغط، التوسع العسكري غير المشروع، واستغلال الأزمات الإنسانية لتحقيق مكاسب جيوسياسية.

إن استمرار هذه السياسات سيزيد من هشاشة المنطقة، ويضع تركيا أمام خيارين:

إما مراجعة جذرية لسياستها الخارجية بما ينسجم مع مبادئ حسن الجوار،

أو مواجهة عزلة متزايدة نتيجة تراكم الأزمات التي تسهم في صناعتها.

One thought on “تركيا وصناعة الفوضى: قراءة الأدوار السلبية لأنقرة في الشرق الأوسط”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اختر لغتك